ابراهيم بن عمر البقاعي
82
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
بمثقال القدس ، ومن الفضة مائة قنطار وألف وسبعمائة وسبعون مثقالا ، ومن النحاس سبعون قنطارا وألفان وأربعمائة مثقال ؛ وكانت هذه القبة تنصب في مكان من الأرض وينزل بنو لاوي سبط موسى عليه الصلاة والسّلام وهارون حولها يخدمونها بين يدي هارون عليه الصلاة والسّلام وبنيه ، ومن دنا منها من غيرهم احترق ، وينزل أسباط بني إسرائيل حول بني لاوي ، لكل سبط منزلة لا يتعداها من شرقها وغربها وجنوبها وشمالها ، كل ذلك بأمر من اللّه سبحانه وتعالى لموسى عليه الصلاة والسّلام ؛ وكان السحاب يغشاها بالنهار ، وكانت النار تضيء عليها بالليل وتزهر ، فما دام السحاب مجللا لها فهم مقيمون ، فإذا ارتفع عنها كان إذنا في سفرهم . فالذي فهمته من هذه الأماكن وغيرها أن الصلاة عندهم تطلق على الدعاء وعلى فعل هو مجرد السجود ، فإن ذكر معه ما يدل على وضع الوجه على الأرض فذاك حينئذ يسمى صلاة ، وإلّا كان المراد به مطلق الانحناء للتعظيم ، وذلك موافق للغة ، قال في القاموس : سجد : خضع ؛ والخضوع التطأمن ، وأما المكان الذي فيه ذكر الركوع فالظاهر أن معناه : فصلى الشعب كله ساجدا للّه سبحانه وتعالى ، لأن الركوع في اللغة يطلق على معان منها الصلاة ، يقال : ركع - أي صلى ، وركع - إذا انحنى كبوا ، والراكع من يكبو على وجهه ، ولا يصح حمل الركوع على ظاهره ، لأنه لا يمكن في حال السجود ، وإن ارتكب فيه تأويل لم يكن بأولى مما ذكرته في الركوع - واللّه سبحانه وتعالى أعلم ، واحتججت باللغة لأن مترجم النسخة التي وقعت لي في عداد البلغاء ، يعرف ذلك من تأمل مواقع ترجمته لها ، على أني سألت عن صلاة اليهود الآن فأخبرت أنه ليس فيها ركوع ، ثم رأيت البغوي صرح في تفسير قوله سبحانه وتعالى : وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [ البقرة : 43 ] بأن صلاتهم لا ركوع فيها ، وكذا ابن عطية وغيرهما . ولما كان المقصود من ذكر هذه الآيات بيان الخوارق التي كانت لآل عمران من زكريا ويحيى وعيسى وأمه عليهم الصلاة والسّلام للمجادلة بالحق في أمر عيسى عليه الصلاة والسّلام ، وبيان أن ما أشكل عليهم من أمره ليس خارجا عن إشكال الخوارق في آله ، وكان الرد على كل طائفة بما تعتقد أولى وجب ذكر ذلك من الأناجيل الأربعة الموجودة الآن بين أظهر النصارى : ذكر قصة يحيى عليه الصلاة والسّلام في حمله وولادته ونبوته وما اتفق في ذلك من الخوارق من الأناجيل ، وقد مزجت بين ألفاظها فجعلتها شيئا واحدا على وجه ألم بعضه بأول أمر المسيح عليه الصلاة والسّلام ؛ قال مترجمها في أول إنجيل لوقا : كان في أيام هيرودس ملك اليهودية كاهن ، أي حبر إمام ، اسمه زكريا من خدمة آل أبيا ، وامرأته من بنات هارون واسمها اليصابات ، وكانا كلاهما